أبو حامد الغزالي
190
تهافت الفلاسفة
هذه الصفات كلها ، فأىّ حاجة به إلى أن يعرف ذاته ؟ ! ، فإن عادوا إلى أن كل ما هو برئ عن المادة ، فهو عقل بذاته ، فيعقل نفسه ، فقد بيّنّا أن ذلك تحكّم ، لا برهان عليه . فإن قيل : البرهان عليه ، أن الموجود ينقسم : إلى حي ، وإلى ميت ، والحي أقدم وأشرف من الميت ، والأول أقدم وأشرف ، فيكون حيا ، وكل حي يشعر بذاته ، إذ يستحيل أن يكون في معلولاته الحىّ ، وهو لا يكون حيا . قلنا : هذه تحكمات ، فإنا نقول : لم يستحيل أن يلزم ، ممن لا يعرف نفسه ، من يعرف نفسه ، بالوسائط الكثيرة ، أو بغير واسطة ؟ ! ؛ فإن كان المحيل لذلك ، كون « 1 » المعلول أشرف من العلة ، فلم يستحيل أن يكون المعلول أشرف من العلة ؟ ! ، وليس هذا بدهيا . ثم لم تنكرون على من يقول : إن شرفه ، في أن وجود الكل ، تابع لذاته ؛ لا في علمه ؟ ! ، والدليل « 2 » عليه ، أن غيره ربما عرف أشياء سوى ذاته ، ويرى ويسمع ، وهو لا يرى ، ولا يسمع ؛ ولو قال قائل : الموجود ينقسم : إلى البصير ، والأعمى ؛ والعالم ، والجاهل ؛ فليكن البصير أقدم ، وليكن الأول بصيرا ، وعالما بالأشياء ؛ لكنتم تنكرون ذلك ، وتقولون : ليس الشرف في البصر والعلم بالأشياء ، بل في الاستغناء عن البصر والعلم ، وكون الذات بحيث يوجد منه الكلّ ، الذي فيه العلماء وذو والأبصار . فكذلك لا شرف في معرفة الذات ، بل في كونه مبدأ ، لذوات المعرفة ، وهذا شرف مخصوص به . فبالضرورة يضطرون ، إلى نفى علمه أيضا بذاته ، إذ لا يدل عليه شئ من ذلك سوى الإرادة ، ولا يدل على الإرادة ، سوى حدوث العالم ، وبفساد ذلك يفسد هذا كله ، على من يأخذ هذه الأمور ، من نظر العقل ، فجميع
--> ( 1 ) أي ما يلزمه من كون المعلول أشرف من العلة . ( 2 ) أي من طرف من يرى أن شرفه على الكائنات من جهة أخرى غير العلم ، كتبعية الكل له .